حيدر حب الله
142
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
عليه إن كان كاذباً ، وهي أيضاً - أي الزوجة المتهمة بالزنا - تفعل ذلك بالعكس ، لتدرأ عن نفسها عقوبة الزنا ، أي تشهد أربع شهادات بأنّه كاذبٌ فيما يقول ، ثم تجعل الخامسة أن تدعو على نفسها بغضب الله إن كان الزوج صادقاً في ادّعائه ، ولهذا استخدمت الآية تعبير الغضب هناك واللعنة هنا ، وهذا ما يؤكّد ما قلناه وقاله اللغويّون من أنّ اللعن في الأصل هو الطرد على وجه السخط والغضب . وعليه ، فهذه الآية الكريمة تدلّ على لعن الإنسان نفسه لعناً تقديريّاً في حالةٍ خاصّة ذات طابع قضائي خاصّ ، وليس لها مثيل في الفقه الإسلامي القضائي القرآني أبداً ، فكيف نفهم منها جواز لعن الإنسان لنفسه في غير هذه الحال ؟ ! بل كيف نفهم منها جواز لعن الإنسان لغيره ؟ ! فضلًا عن أن نفهم منها وجوبه أو استحبابه . 6 - قوله تعالى : ( وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) ( العنكبوت : 25 ) ، وهذه الآية مهما فسّرناها - باللعن الفعلي أم بالدعاء اللساني - تخبر عن حالهم بأنّهم يفعلون ذلك ببعضهم في الآخرة ، وأين هذا من أن نحكم بجواز اللعن في الدنيا من المسلم للكافر أو للمسلم الآخر ؟ بل الآية في مقام بيان رداءة حالهم يوم القيامة حيث ينبذون بعضهم بعضاً أو يدعون على بعضهم بعضاً ، وهل يفهم من هذه الصورة المأساوية البليغة أنّ القرآن هنا يريد أن يحكم - ولو بالدلالة الالتزاميّة - بجواز لعنهم في الدنيا أو باستحبابه أو بوجوبه ؟ ! وهل يستنتج الفقهاء هذا من مثل هذه الآية الكريمة ؟ ! ولو صحّ الاستنتاج فهي خاصّة بعبدة الأوثان أو بمطلق الكافر كما هو واضح ، ولا تفيد جواز لعن غيرهم ، فضلًا عن الاستحباب .